الدكتور هاني جهشان
شاهد المزيد
www.jahshan.com إلى الموقع الرئيسي
المشاركات الشائعة

الفساد في القطاع الصحي الحكومي

1/10
Please reload

المشاركات الحديثة
Please reload

الأرشيف
Please reload

التسميات
Please reload

وفيات الأطفال الرضع المفاجئة وغير المتوقعة، الأسباب، التحقيق والوقاية

 

إن فقدان الوالدين لطفلهما الرضيع بسبب وفاته فجأة يشكل مأساة غامضة يرافقها معاناتهما من كرب نفسي شديد، ويراودهما أسئلة مُلّحة يرغبان بمعرفة أجوبتها "ما سبب الوفاة؟" "لماذا طفلي تحديدا؟" "وهل كان هناك شيء من الممكن عمله يقي من حصول هذه الوفاة؟" تعكس هذه الأسئلة الشعور بالذنب نحو طفلهما المتوفى وبالتالي اليأس والقنوط والإحباط والإكتئاب

 

الاسباب المرضية لوفيات الاطفال الرضع المفاجئة (غير العرضية وغير الجنائية) تتراوح ما بين أمراض بطبيعتها تؤدي إلى الوفاة الفجأة من مثل الحالة المرضية المعروفة باسم "وفاة المهد" وأمراض يعاني منها الرضيع لم تشخص بسبب عدم عرضه على الطبيب إبتداءا أو بسبب علاجه بعقاقير لم توصف لحالته تحديدا أو بسبب الإخفاق بتقديم العلاج المناسب لحالته وإن تم عرضه على الطبيب. أما أسباب وفيات الاطفال الرضع المفاجئة ذات المنشأ المرضي والتي تم الكشف عليها في الطب الشرعي بالأردن كان ألأعم الأغلب منها بسبب تعرض الطفل لإلتهاب بالقصابات الهوائية أو لإلتهاب رئوي أو بسبب عدم إكتمال نمو الطفل حديث الولادة، وفي حالات نادرة كان بسبب تشوهات خلقية غير مشخصة، وتتصف جميع هذه الحالات بأنه كان من الممكن علاجها إن شُخّصت بالوقت المناسب وقدم لها العلاج المناسب وبالتالي كان من الممكن الوقاية من حصول الوفاة المفاجئة المرتبطة بعوامل خطورة تتراوح ما بين الجهل والإهمال.

 

اما "وفاة المهد" والتي هي أحدى أسباب وفيات الأطفال الرضع المفاجئة فلا زالت غامضة من الناحية العلمية فهي غير مرتبطة بأسباب جرثومية أو سمية المنشأ، وإنما مقترنة بعوامل خطورة من مثل تنويم الرضيع على بطنه أو أحد جانبيه، وكون أحد أو كلا الوالدين مدخناَ أو متعاطيا لكحول او المخدرات، وتحدث وفاة المهد بالعادة في ساعات الفجر خلال نوم الرضيع بدون أن يسبقها أي أعراض تحذيرية، وهي شائعة بالرضع ما بين عمر شهر واحد إلى سنة واحدة، وبنسبة أعلى في الأطفال ما بين شهرين وأربع أشهر، وهي أحد أهم وفيات الأطفال عامة بعد الوفيات الناتجة عن الالتهابات الرئوية وعن التشوهات الخلقية، وعن عدم إكتمال النمو بسبب الولادات المبتسرة، إلا أنه أثبتت الأبحاث العلمية أنه من الممكن خفض نسبة وفيات المهد بالتوعية الوالدية المتعلقة بنمو وتطور الطفل وعدم تنويم الطفل على بطنه أو جانبه.

من الممكن أن تكون وفاة المهد مرتبطة بالأمراض الأيضيّة؛ وهي أمراض وراثية حدوثها نادر جدا، تؤدي إلى إعتلال في إنزيمات أساسية تمنع تحول الطعام إلى طاقة في جسم الطفل وقد تؤدي إلى الوفاة الفجأة في حالات نادرة، من مثل مرض الفينيل كتينيوريا على سبيل المثال وليس الحصر، وهذه الحالات من الممكن تشخيصها بتوفير الخدمات الطبية والمخبرية المتقدمة.

 

"الإختناق" هو إخفاق الرضيع عن التنفس وينجم عنه نقص بالأكسجين في أنسجة الجسم، مما يؤدي إلى فقدان الوعي وبالتالي الوفاة سريعا وبظروف مفاجئة، والأعم الأغلب من حالات إختناق الأطفال الرضع هو بظروف عرضية مرتبطة بعوامل خطورة ناتجة عن الجهل أو الإهمال، كالغصص بالطعام أو الحليب أو بأجسام غريبة كالألعاب الصغيرة او أجزائها، أو بسبب إنسداد المسالك التنفسية الخارجية بالأكياس البلاستكية والوسائد أو أغطية السرير والدمى أو بسبب نوم الأم أثناء ارضاعها طفلها وهي مستلقية بجانبه، أو بسبب إنضغاط عنق الطفل بقضبان السرير، أو بسبب إستنشاق غازات سامة من المدفأة، وفي حالات نادرة جدا من الممكن أن ينتج الإختناق عن أسباب مرضية كإنسداد المسالك التنفسية بسبب مرض إلتهابي حاد أو بسبب حساسية مفاجئة، كما وأن إختناق الأطفال الرضع من ممكن أن يكون مقصودا بعوامل خطورة مرتبطة بالعنف ضد الطفل كالضغط على القفص الصدري للطفل أو بكتم نفسه باليد أو بلاصق، أو بالضغط على العنق باليد أو برباط.

 

وفيات الأطفال الرضع السريعة الناتجة عن إصابات مباشرة للرأس، يُدَعَى بأغلب الأحيان أنها وفيات مفاجئة، فعلى سبيل المثال "متلازمة الطفل المرتج" تنتج عن رج الطفل بعنف مما يؤدي إلى نزف داخل الجمجمة وتلف بالدماغ وبالتالي الوفاة وبسبب حجب ظروف الإصابة وتأخير العلاج فتبدو الوفاة وكأنها مفاجئة. أما إذا تبين أن هذه الوفاة المفاجئة إصابية المنشأ وذلك عقب إجراء الكشف الطبي الشرعي فيدعى عادة أنها ناتجة عن سقوط الرضيع في محاولة لتجنيب المعتدي للعقاب، وفي حال حدوث تراخي بالتحقيق وتتبع الحالة فإن كثيرا من وفيات الرضع الإصابية تسجل خطأ على أنها سقوط، علما بأنه في الحالات النادرة التي قد يتعرض بها الرضيع للسقوط عرضيا أثناء حمله من قبل شخص بالغ أو سقوطه أثناء حمله من قبل طفل آخر من غير المتوقع أن يؤدي ذلك إلى إصابات قاتلة في الأعم الأغلب من الحالات، أما حالات سقوط الأطفال الذين تجاوز عمرهم عدة أشهر وأصبحوا قادرين على الحركة فأنه من غير المتوقع أيضا أن تكون إصابتهم شديدة إذا كان السقوط عن السرير أو أثناء بداية المشي.

 

قد تنتج وفيات الأطفال المفاجئة بسبب تسمييم الطفل قصدا إن كان بسبب الجهل بإستعمال العلاجات الشعبية من المشعوذين أو بإستخدام عقاقير طبيبة عشوائية غير مناسبة لعمر الطفل وغير موصوفة من قبل الأطباء، وإن كان بإعطاء الطفل عقاقير منومة أو مهدئه بهدف كفه عن البكاء من قبل خادمة أو جليسة الأطفال أو مربية بالحضانة أو في بعض الأحيان من قبل أمه، وجميع هذه الظروف تؤدي إلى الوفاة المفاجئة بسبب جرعة زائدة أو بسبب سمية العقار أو بسبب إستجابة خاصة غير متوقعة لدى الطفل.

 

كمهنيين عاملين في القطاعات المختلفة المعنية بحماية الأطفال يتوقع منا أن نوفر الدعم النفسي لوالدي ولأفراد أسرة الطفل الرضيع المتوفى فجأة بتوفير المعلومات العلمية لهم وسبل الدعم والعلاج النفسي إذا دعت الضرورة لذلك، وأما وفيات الأطفال الرضع المرتبطة بالجهل والإهمال والعنف فهناك مسؤولية مباشرة على المهنيين وصانعي القرار والمؤسسات الحكومية المعنية بحماية الأطفال أن تقوم بحملات توعية تستهدف كافة أفراد المجتمع لتوفير ظروف أمن وآمان لكافة الأطفل بما فيهم الأطفال الرضع.

 

الوضع الحالي:

إن العديد من وفيات الاطفال الرضع المفاجئة لا يحقق بها، وفي حال حصول الكشف الطبي الشرعي بهدف معرفة اسباب الوفاة وظروفها فيما إذا كانت مرضية أو عرضية أو جنائية فإن هذه البيانات والمعلومات لا تجمع أو تحلل بطريقة منهجية، ويشكل غياب قاعدة المعلومات هذه عائقا أمام الأطباء وصانعي القرار والباحثين الأكاديميين يحجب رصد أنماط وفيات الأطفال الرضع في مجتمعنا وتحديد عوامل الخطورة المؤدية لها وب