الدكتور هاني جهشان
شاهد المزيد
www.jahshan.com إلى الموقع الرئيسي

الشراكة والتنسيق ودور القطاعات المختلفة، بالوقاية والحماية من العنف الأسري الفجوات والعوائق والتحديا


إن العنف الأسري مشكلة خطيرة وواسعة الانتشار تؤثر في حياة أعداد لا تحصى من المواطنين، وهي عقبة أمام تحقيق المساواة والتنمية والأمن والآمان الإجتماعي. فهي تعرض حياَة الأطفال والنساء للخطر وتعيق التنمية الكاملة لقدرات المواطنين، كما وأنها تضر بوحدة الأسرة والمجتمعات المحلية، و قد يتخلف عنها أمراض جسدية ونفسية وإصابات قد تسبب الإعاقات والموت.

العنف الأسري ليس أمر حتميا وليس قضاء وقدرا، فهو نتاج عوامل خطورة يمكن السيطرة عليها وهي قابلة للتغير إذا توافرت الإرادة السياسية وخصصت الموارد اللازمة للقضاء عليه. من الواضح والجلي أن مواجهة العنف الأسري ليست مهمة اختيارية أو هامشية، وإنما يجب أن يستجاب له وللوقاية منه بالتنسيق بين جهات عدة ومتعددة القطاعات المهنية تكون الحكومة في طليعتها وضامنة للتنسيق بينها وتعمل على رصد أدائها والمساءلة عند الإخفاق، وعلى الدولة أن تقوم بذلك ببناء وتطوير وتوطيد استراتيجيات وسياسات قوية متعددة القطاعات ومنسقة وطنيا ومحليا وتعزيز قاعدة المعرفة عن جميع أشكال العنف الأسري وتخصيص الموارد البشرية والمالية والتقنية الكافية، وسد الفجوات بين المعايير الدولية والقوانين والسياسات والممارسات الوطنية وإن تكون مرجعية الدولة احترام حقوق الأنسان وحمايتها وتعزيزها وإحقاقها.

تشكل الشراكة والتنسيق بين القطاعات المتعددة التي تتعامل مع الضحايا الأساس الصحي والسليم في الوقاية والحماية من العنف الأسري، حيث أن تقديم الخدمات الصحية والإجتماعية ودعم الضحايا ومعاقبة المعتدين يتطلب ترابطا وتواصلا بين هذه القطاعات، إلا أن هذا الترابط والتواصل قد يشوبهما بعض الفجوات والعوائق والتحديات كما هو مبين أدناه.

غياب أو قلة الإرادة السياسية للدولة في مواجهة العنف الأسري:

تنعكس بإخفاقها بإيجاد بيئة متسقة لا يسمح فيها بالعنف ضد أيٍ من أفراد الأسرة وبعدم المحافظة على إستمرارية وجود هذه البيئة، وكذلك في عدم تخصيص الدولة موارد كافية لمواجهة العنف الأسري، فالدولة هي الضامنة لحقوق مواطنيها وهي المسؤولة بموجب القانون الدولي عن انتهاكات حقوق الإنسان على أراضيها، بما فيها حقوق كل فرد من أفراد الأسرة وخاصة الطفل والمرأة، وهذه المسؤولية لا تنشأ حصرا في أفعال تقوم بها الدولة وأنما بألأعم الأغلب بالتراخي باتخاذ تدابير إيجابية من مثل غياب الإرادة السياسية للدولة بإنشاء فريق متعدد المهن لمواجهة العنف الأسري يهدف لحماية ضحايا العنف الأسري ويتمثل هذا التراخي ايضا بعدم التحقيق في الإدعاءات بوقوع هذا العنف والإخفاق في معاقبة المذنبين وضمان رد الضرر الواقع على الضحايا. إن امتناع الدولة عن محاكمة مرتكب العنف الأسري يناقض الالتزامات الدولية للدولة، وفيه إشارة إلى أن الدولة تغاضت عن هذا العنف. كما وأن هذه المسؤولية تتحق بعدم إنجاز إطار قانوني وسياسي لحماية الحقوق الإنسانية لضحايا العنف الأسري وعدم تعزيزها أو الإخفاق في تنفيذها بفعالية. كذلك هناك مسؤولية مباشرة على الدولة في تعديل المواقف والسلوكيات السلبية لمواطنيها فقد نصت الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة على أنه يطلب من الدول الأطراف أن تعالج أنماط السلوك الاجتماعي والثقافي المؤدية للعنف، وإخفاق الدول في ذلك يعتبر انتهاك لحقوق الضحايا.

تغاضي الدولة عن دورها القيادي بالتعامل مع برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات:

المسؤولية المباشرة للوقاية والحماية من العنف الأسري وبالتالي القضاء عليه، لا تقع على مؤسسات المجتمع المدني أو على الجمعيات التطوعية أو على القطاع الخاص وإنما هي مسؤولية الحكومة إبتداءا، فهي المسؤولة عن مواطنيها وتمتعهم بحقوقهم الإنسانية الأساسية من مثل الحق بالحياة والأمن والآمان والحق بالتمتع بالصحة الجسدية والنفسية والحق بالتعلم والحق بالسكن والحق بالمشاركة في الحياة العامة، إلا أن العنف الأسري يقوض أغلب هذه الحقوق ويؤدي على تكاليف إنسانية واقتصادية تفقر الأفراد والأسر والمجتمعات كما وأنه يعيق التنمية الشاملة للوطن ويؤدي إلى أنهاء حياة الأطفال والنساء في كثير من الأحوال ومن هناك تكون مسؤولية الدولة بقيادة برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات أمرا ليس اختياريا أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها، لأنه لا مجال للفشل عندما يتهدد الإنسان بأبسط حقوقه وتدمر أسر وتتفشى الجريمة بالمجتمع.

الفجوات القانونية لبرامج حماية الأسرة متعددة القطاعات:

تتمثل بوجود فجوات ما بين المعايير الدولية والتشريعات الوطنية السائدة، فبشكل عام تفتقر أغلب القوانين الوطنية إلى أحكام تشريعية محددة لتجريم العنف ضد الطفل والمرأة من مثل الإيذاء الجسدي والذي قد يسمح به بنص القانون في بعض الدول، وهذه التشريعات أيضا تتصف بالقصور في تعاريف العنف الجنسي والإغتصاب، والتحرش الجنسي، والعنف الاسري، وجريمة الشرف، وبعضها به أحكام تسمح بتخفيف العقوبة وبزواج مرتكب العنف الجنسي من ضحيته، وتفتقر هذه التشريعات أيضا لمرجعيات قانونية للتدابير الوقائية لحماية ضحايا العنف من الأطفال والنساء. إن قصور هذه التشريعات ينعكس سلبا على المرجعية القانونية لبرامج حماية الأسرة متعددة القطاعات، ومما يزيد الأمر سؤا أنه وإن وجدت قوانين جيدة للتعامل مع العنف الأسري إلا أنها لا تنفَّذ تنفيذًا فاعلا وتفتقر للانظمة والتعلميات المرنة المتفقة مع القانون، وتفتقر أيضا لأدلة إجراءات مهنية واضحة للقطاعات الصحية والشرطية والإجتماعية، وغياب هذه المنظومة من القوانين والأنظمة والتعليمات وأدلة الإجراءات يؤدي أيضا إلى غياب المرجعية القانونية لبرامج حماية الأسرة متعددة القطاعات.

كما وأن برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات لن تعمل بشكل فعال بسبب غياب مرجعية قانونية واضحة للإبلاغ عن ضحايا العنف الأسري والتي تحكم العلاقة ما بين القطاعات التعليمة والصحية والإجتماعية وبين القطاعات الشرطية والقضائية ويزداد الأمر سؤا بسبب أن بعض المدونات الأخلاقية المهنية من مثل الدستور الطبي قد لا تسمح أو قد تعيق التعامل المشترك ما بين القطاعات بداعي أنها حفاظ على السر المهني للضحية كعدم الإبلاغ عن الحالات التي تراجع عيادات الطب النفسي الذين يعانون من عواقب العنف الأسري والعنف الجنسي.

كثير من الحالات لا تصل إلى برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات بسبب غياب المرجعية القانونية لقبول أو رفض الحالات من قبل القطاع الشرطي أو الإدعاء العام بسبب غموض مفهوم الحق العام في جرائم العنف الأسري، وإن وصلت هذه الحالات فهناك تراخي بالتعامل معها مما يدفع نسبة كبيرة من الضحايا لسحب الشكوى أو تغير أقوالهم ويؤدي ذلك إلى إنخفاض نسبة المحاكمات وإنخفاض نسبة الإدانات. هناك أيضا غياب تشريعي فيما يتعلق بتدابير حماية الضحايا من الأطفال والنساء والتي تكون مرجعيتها في بعض الدول الحاكم الإداري والذي هو بالعادة نظام مغلق وبالتالي استبعادها عن برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات، وهناك أيضا غياب المظلة القانونية لخدمات المساعدة القانونية المقدمة من قبل الجمعيات التطوعية ومؤسسات المجتمع المدني مما ينعكس سلبا على العمل الفعال لبرامج حماية الأسرة متعددة القطاعات وهناك أيضا غياب نصوص قانونية واضحة تتيح المصالحة ما بين المعتدي والضحية دون إجحاف.

إن عمل برامج حماية الأسرة متعدد المهن يتطلب وجود استراتيجيات أو أطر وطنية أو سياسات تضبط وتنظم العمل التشاركي وفي الأعم الأغلب أن لا يتم تطبيق وتنفيذ ما ورد في هذه الوثائق بسبب غياب المرجعية القانونية أو بسبب تعارضها للتشريعات النافذة.



العوائق والتحديات في تقديم الخدمات متعددة القطاعات:

هناك مؤشرات لضعف خدمات حماية الأسرة متعددة القطاعات إن كانت المباشرة وهي القطاعات الصحية، الإجتماعية، الشرطية أو القضائية، أو الخدمات اللاحقة وهي خدمات دور الضيافة والدعم القانوني والعلاج الطبي والنفسي. تقع المسؤولية عن عدم توفر أو كفاية هذه الخدمات، بالإضافة لضعف للإرادة السياسة للدولة، لقلة التمويل إن كان من الحكومة بشكل مركزي يضمن مشاركة القطاعات المختلفة أو بشكل فردي من قبل كل قطاع، ويتوقع أن يتصف التمويل الحكومي لهذه البرامج بالاستمرارية على العكس من تمويل الجهات الدولية المانحة والتي تتصف بعدم الاستمرارية مما يؤدي في وقت لاحق لتعثر هذه البرامج لغياب ضمان الاستمرارية من قبل الحكومات، وعليه يتوقع أن يكون دعم برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات من ميزانيات الدولة الوطنية.

إن المكان الأنسب لتقديم خدمات القطاعات المتعددة هو تواجدها في مكان واحد وهذا يتطلب أن تنشأ البنية التحتية وأن توفر بيئة العمل لهذه الخدمات على هذا الأساس، وبعض النظر أن قدمت الخدمات في مكان واحد أو أنه تم التواصل بينها لتقدم في أماكن متعددة فإنها تفتقر إلى معايير قياسية تضمن العمل المشترك لما فيه مصلحة الضحايا من الأطفال والنساء، وهي أن تكون قائمة على مبدأ الوقاية وإعادة تأهيل الأسرة وأن تكون خدماتها الصحية والقانونية والإجتماعية قائمة عل الدليل البحثي العلمي، وتتصف بإحترام حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق الطفل والمرأة، وأن تكون سهلة النفاذ في جميع أنحاء الوطن، وأن تكون متسقة مع الثقافة الإجتماعية السائدة.

غياب أو عدم الاستخدام الفعال لأدلة الإجراءات الصحية والإجتماعية والشرطية والأدلة المشتركة للتعامل مع الضحايا هو عائق كبير أمام جودة الخدمات بسبب عدم القدرة على قياسها ورصدها وبالتالي تطويرها، وإن وجدت هذه الإجراءات فإنه في كثير من الحالات لا توضع موضع التنفيذ، وقد لا يكون لها مرجعية قانونية في بعض الأحيان.

غياب أو نقص التدريب المهني لكل قطاع منفردا وكذلك غياب التدريب الكافي والمتسق المتعدد القطاعات هو أيضا عائق كبير أمام جودة الخدمات التي تقدم لضحايا العنف الأسري من الأطفال والنساء، ويتوقع أن يكون محتوى التدريب شاملا للمعرفة العامة عن العنف الأسري وتنميطه وأسبابه وطرق علاجه، وكذلك يتوقع أن يهدف التدريب إلى إزالة التفاوت حول مفاهيم العنف الأسري السائدة حيث أن تضارب التعريفات القانوينة والطبية والإجتماعية يشكل عائق هاما أمام الالتزام بتنفيذ برامج حماية الأسرة متعددة القطاعات. ويتوقع أن يشمل التدريب أيضا طرق الاتصال والتواصل ما بين القطاعات لمواجهة العوائق والعقبات الإدارية أو الشخصية. وكذلك إكساب المتدربين مهارت تتعلق بالتعامل مع الضحايا والمعنفين، والتدريب على المرجعيات القانونية والأخلاقية المهنية المتعلقة بكل قطاع وتأثرها ببعضها البعض، وضمان أن تحترم سرية الضحية وعدم إلحاق الضرر بها بما يتفق والقانون.

غياب أو نقص نظم جمع المعلومات والبيانات بصورة منهجية وتقسيمها بحسب الجنس وعوامل أخرى، كالسن والإثنية، والإعاقة، وبيان تفصيل انتشار كل أشكال العنف الأسري؛ وأسبابه؛ وفعالية أي تدابير تنفذ للوقاية والحماية من العنف الأسري، وغياب نظم التواصل بهذا الخصوص ما بين القطاعات المتعددة.

العقبات الإدارية فتتمثل بغياب قيادة واضحة لبرامج حماية الأسرة متعددة القطاعات، والتنافس السلبي لقيادة هذه البرامج، وكذلك غياب أو تغييب قطاعات لها دور هام من مثل توفير مختصين بالمقابلات الجنائية أو العلاج النفسي للأطفال أو خدمات دور الضيافة المتخصصة للأطفال والنساء، وكذلك غياب أو نقص في دور قطاعات تطوعية هامة، من مثل جمعيات دعم ضحايا العنف الأسري من الناحية النفسية والإجتماعية والقانونية.

العقبات المتعلقة بشخصية العاملين بالقطاعات المتعددة فإنها تؤثر سلبا على الخدمات المقدمة للضحايا، وهذه العقبات تتمثل بالمواقف السلبية والثقافة السائدة بالمجتمع عن العنف الأسري، والانعكاس السلبي لذلك على سلوكيات المهنيين عن التعامل مع ضحايا العنف الأسري أو تنفيذ البرامج الوقائية وينتج ذلك عن عدم الدقة في اختيار العاملين. كما وأن عدم إلتزام العاملين بالمرجعية الأخلاقية المهنية في القطاعات المختلفة عند التعامل مع ضحايا العنف الأسري أو برامج الوقاية منه هو أيضا عقبة أمام جودة الخدمات التي تقدم للضحايا وذلك بسبب طغيان المفهوم الشخصي عن العنف الأسري على المفاهيم القانونية والممارسات الإدارية من مثل القناعة بفاعلية الضرب التأديبي للطفل، وتدني مكانة المرأة بالمجتمع. عوامل فردية أخرى قد تأثر سلبا على الخدمات هي غياب المعرفة والمهارة بالقوانيين والإجراءات لدى العاملين في القطاعات المختلفة، ونقص الخبرات والمهارات الميدانية، وعدم الإستقرار الوظيفي للعاملين وغياب الحوافز المادية والمعنوية، ووجود البيروقراطية.

الاستجابة لما سبق هي ببناء وتوطيد استراتيجيات قوية متعددة القطاعات ومنسقة وطنيا ومحليا:

يتطلب أن يتجاوز العمل على إنهاء العنف الأسري الاستجابات المخصصة المتعلقة بكل قطاع منفردا ليصبح نهجا شاملا ومنهجيا ومطّردا تدعمه دعما كافيا وتسهله آليات مؤسسية متخصصة وقوية ودائمة. وينبغي أن يشمل هذا قطاعات حكومية مثل العدل والصحة والتعليم، ومؤسسات المجتمع المدني بهدف الوصول إلى خدمات قانونية وصحية واجتماعية فعالة. وإن التخلص من الفجوات، العوائق، والتحديات المشار إليها سابقا يتطلب تبني الدولة لسياسات وقوانين واضحة تجعل العنف غير مشروع؛ ولآليات إنفاذ قوية؛ وتوفير موظفون فعّالون ومدربّون جيدا؛ وإشراك عدة قطاعات؛ والتعاون الوثيق مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والأكاديميين والمهنيين.

من المتوقع من الدولة أن تمارس مسؤوليتها عن التنسيق بين جميع القطاعات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني باعتبار ذلك عنصرا أساسيا في بناء استراتيجيات دائمة للوقاية والحماية من العنف الأسري، وكذلك يتوقع من الدولة إنشاء آليات مؤسسية قوية على الصعيد الوطني لضمان العمل والتنسيق والمساءلة. دمج الجهود الرامية إلى مواجهة العنف الأسري في برامج الصحة العامة الأخرى التي تنقذها الدولة لحماية صحة عموم المجتمع وفي برامج التنمية الشاملة. دمج المعرفة العلمية عن أسباب العنف الأسري وعواقبه في مناهج تعليم وتدريب مناسبة على جميع المستويات، بما في ذلك التعليم المهني للقطاع الصحي والتعليمي والشرطة والقضاء والأخصائيين الاجتماعيين.

زيادة التمويل لتقديم خدمات كافية وتمكين ضحايا العنف الأسري من الوصول إلى العدالة والأنصاف. تقدير الميزانيات على الصعيد الوطني بما يضمن تخصيص الموارد بشكل مركزي يضمن الاستمرارية. ضمان تخصيص موارد إضافية من صناديق الجهات المانحة التي تضع الوقاية من العنف الأسري في برامجها.

الدكتور هاني جهشان مستشار اول الطب الشرعي

الخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة