الدكتور هاني جهشان
شاهد المزيد
www.jahshan.com إلى الموقع الرئيسي
المشاركات الشائعة

الفساد في القطاع الصحي الحكومي

1/10
Please reload

المشاركات الحديثة
Please reload

الأرشيف
Please reload

التسميات
Please reload

دِرَاسَةٌ ضِدَّ عُقُوبَةِ الْإِعْدَامِ

إن طبيعة عقوبة الإعدام هي طبيعة قاسية، مؤلمة، ومزعجة، عشوائية، واعتباطية، لا إنسانية يجب معارضتها في المجال الأخلاقي والمجال العملي والمجال المهني وتتصف بما يلي:

  1. عقوبة الإعدام متناقضة مع القيم الأساسية للنظام السياسي الديمقراطي، فعلى الدولة التي تطبق عقوبة الإعدام أن لا تختال وتتباهى بحق قتل الأشخاص، وخاصة عندما تقتل عمدا وبمراسم، وتحت لون من القانونية الزائفة، وباسم الشعب وبنمط اعتباطي وعشوائي ويتصف بالتميز. إن فرض عقوبة الإعدام هو إنكار لا يِـُحتمل ولا يطاق للحريات المدنية، وعليه علينا أن نستمر بالمطالبة لمنع تنفيذ ولإلغاء عقوبة الإعدام، بواسطة المقاضاة، بالتشريعات، بالمعاوضة، وبزيادة الصيحة العالية ضد هذا العقوبة الوحشية. 

  2. عقوبة الإعدام تتصف بالقسوة وبالوحشية وبالبطش، فهي رفات علم الجريمة عندما كانت العبودية، التميز العرقي، وأنواع العقاب البدني الأخرى مألوفة وعادية. إن عقوبة الإعدام كباقي الممارسات الهمجية، ليس لها مكان في المجتمع الحضاري، حيث أن معارضة عقوبة الإعدام لا تنشأ من التعاطف مع المجرم القاتل المدان ومع جريمة القتل، على العكس تماما، فأن القتل مقيت يدعو للإشمئزاز، ويمثل عدم احترام حياة الإنسان، فكيف يعتبر أخلاقيا إذا قامت به سلطات الدولة.   

  3. عقوبة الإعدام هو إنكار لمسار القانون وللعدالة، لأن تطبيقه هو تطبيق عشوائي، اعتباطي،  نهائي، ويتعذر تغييره. يَحرم الإعدام الفرد حرمانا مؤبدا من تقديم أدلة قد تعكس التهمة أو تخفف ماهية تكييف الجرم ليصبح جرما عقابه ليس الإعدام، فهو يطبق بطريقة عشوائية في أفضل تطبيق له، وبطريقة تمييزية في أسوأها.

  4. إن الاعتماد على عقوبة الإعدام بمكافحة الجريمة يحجب الأسباب الحقيقية لها، ويُحَوّل الانتباه عن الإصلاح الإجتماعي الفعال في السيطرة على الجريمة إلى التركيز على أهمية الانتقام وأهمية تنفيذ العقاب بحد ذاته، لأن واضعي السياسات المؤيدين لعقوبة الإعدام على أنها سلاح فعال للسيطرة على الجريمة يخدعون عامة الناس، وهم بتأييدهم هذا يحاولون عبثا ستر إخفاقاتهم  في دعم مشاريع مكافحة الجريمة الفاعلة.

  5. عقوبة الإعدام وسيلة غير منتجة في مكافحة العنف في المجتمع، فهي تهدر الموارد، تبدد وقت وطاقة المحاكم والمحامين والمدعين العامين، وتربك النظام القضائي، ولهذا فهي تمثل المثل بعدم الفعالية المأساوية المفجعة والوحشية في اللجوء للعنف بدل المنطق لحل المشاكل الاجتماعية الشائكة.  إن المجتمع الذي يحترم الإنسان لا يتعمد قتل البشر، لأن الإعدام هو جريمة قتل عنفي مثير، على مشهد علني من العامة، هو جريمة ثأر يقوم بها المسؤولون نيابة عن أقارب المجني عليه، وبذلك يشير الإعدام لإباحية وجواز القتل لحل النزاعات الاجتماعية، ليكون أسوأ مثال يحتذى به. لا يمكن تبرير الغضب الانفعالي بإنفاذ الموت بالمجرم   بوجود فوائد للإعدام تعود بالخير على المجتمع، لكن الموت بالإعدام هو حقيقة مدمرة بعمق لأخلاقيات المجتمع، لأن فوائد الإعدام هي وهم.

استنتاجان يدعمان قضيتنا ضد الإعدام:

(1) عقوبة الإعدام لا تردع الجريمة، و

(2) الجزاء بالموت هو همجي، وغير حضاري ، من الناحية المنطقية الفكرية وهو جائر وظالم وغير منصف من الناحية العملية.

 

هل عقوبة الإعدام رادعة؟

البرهان الذي يستخدم لدعم عقوبة الإعدام، هو أن التهديد بوجودها يردع الجرائم الكبيرة بفعالية أكبر من السجن المؤبد. قد يبدو هذا الادعاء مقبول ظاهريا، لكن الحقائق العلمية لا تؤيد ذلك. لان عقوبة الإعدام تفشل كعقوبة رادعة لعدة أسباب:

أولا: من الناحية المنطقية العقلانية: إن أية عقوبة على ارتكاب جريمة معينة لا يمكن قياس قدرتها على الردع إلا إذا استخدمت بشكل ثابت وحازم على كافة مرتكبي هذه الجريمة. على أرض الواقع من غير المستطاع بأي شكل من الأشكال تطبيق هذا الشرط على عقوبة الإعدام. فمثلا نسبة ضئيلة من جرائم القتل العمد يحكم على مرتكبيها بالإعدام، ونسبة أقل ينفذ بها هذا الحكم. الأشخاص الذين لا يستطيعون تجاوز عقوبة الإعدام ضدهم، هم عادة الفقراء الذين لا يملكون كلفة محام جيد، أو الأجانب الذين لا يوجد من يساعدهم، أو الذين لم يتمكنوا من إجراء الصلح العشائري لأي سبب من الأسباب.

ثانيا: من الناحية النفسية:

  1. إذا خطط المجرم لجريمته (التي يعاقب عليها بالإعدام) فهو أخذ باعتباره المجازفة وخطط لأن لا يكشف أو يعتقل أو يدان،  فالتهديد بالعقاب الشديد، كالإعدام، لن يردع هؤلاء الذين يتوقون الهرب من أن يكتشفوا أو أن يعتقلوا، أو هؤلاء اللذين يعتقدون أنهم أذكى من يتم التعرف عليهم.

  2. إذا كانت الجريمة التي يعاقب عليها بالإعدام غير مخطط لها من قبل الجاني فأنه من الصعب التخيل كيف التهديد بعقوبة شديدة، كالإعدام، سيردع ارتكاب جريمة لم يخطط لها. نسبة لا بأس بها من الجرائم التي ترتكب والتي يعاقب عليها بالإعدام، ترتكب في لحظات انفعال وكرب شديدة عندما يكون التفكير المنطقي غائبا، حيث أن إحداث العنف باندفاع أو باستعراض يكون من قبل أشخاص لا يستخدموا العقل أو المنطق بالتفكير ولا يهتموا بالعواقب عليهم أو على الآخرين.

  3. يرتكب الإرهاب باسم إيديولوجية معينة تُشَرّفْ مرتكبي هذه الجرائم، ففي هذه الحالات التهديد بعقوبة الموت للإرهابيين غير ذي جدوى. فالتهديد بهذه العقوبة لا تلمس الأسباب السياسية الأساسية، ويتجاهل الأساليب الدبلوماسية اللبقة لمكافحة مثل هذه الظواهر.

  4. إن فكرة محاولة خفض جرائم القتل أثناء تهريب المخدرات أو محاولة مكافحة المخدرات بواسطة التهديد بعقوبة الإعدام، تتجاهل حقيقة أن أي شخص يتعامل بالمخدرات، يكون مسبقا قد رهن حياته بمزاحمة عنفية مع تجار مخدرات آخرين، ومن غير المنطق أن يفكر بأن عقوبة الإعدام سوف تردعه، والتي بطبيعة الحال الخطورة منها ضئيلة جدا مقارنة مع ما يتعرض له من مخاطر.

 ثالثا: من الناحية الإحصائية: إذا كانت العقوبة الشديدة تردع الجريمة، فأن السجن لفترة طويلة هو عقوبة شديدة لدرجة تجعل أي شخص يستخدم المنطق بتفكيره أن لا يرتكب أية جريمة، وهناك رجحان في الدليل على أن شدة عقوبة السجن المؤبد تردع أكثر من شدة عقوبة الإعدام: